تمر الأيام ويكتب التاريخ ما خلفه الأجداد أو ما بناه سؤدد الأمجاد، ولكن لا يمكن لأحد أن يغفل ما صنعته العصبية القبلية وما رسمته من ملامح الخوف والتشتت رغم موقف الإسلام منها. فها هو جرير يقول:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ مِنْ نميرٍ *** فلا كَعْباً بَلَغْتَ ولا كِلابا
ليضع لنا ملامح لم يخفى عليها أحد، فما هجى به جرير، استخدمه آخر في رفع قومه.. فقول الحطيئة مثال على ذلك:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم *** ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا !!
لنرى أن هذه الصور كادت تمحى من الذاكرة بعد موقف الإسلام منها. تلك الصورة التي رسمت لنا شعر يكتب أو مقال يخط بأنامل ذلك المتعصب. وبين هذا وذاك، يرى البعض فيها الشيء الخير ويرى آخرون وجها آخر، لتمر الأيام، وتنقضي السنين بين حرب أدمت رجالا وسبت نساءا، وبين سلام أراح بالا وأزكى قلبا.
ها نحن اليوم نعيش هذا المشهد من جديد، ولكن بنص جديد مغلف بثوب الانتخابات لمجلس الشورى. تجسدت قصته بالميول القبلي الذي يعيشه البعض منا دون النظر أو التفكير في أن الترشيح هو أمانة ائتمنها الله الإنسان ليسأل فيها كل واحد منا يوم الحساب. فيا ترى: هل اتجهنا إلى حق بعد تفكير أم إلى باطل بعد تقدير، أم أننا سنقع في كمن قال فيه الله سبحانه وتعالى: " إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر"..
إخوتي وأخواتي، يجب أن نعلم أن الترشيح هو ليس صوت يعطى لقريب أو صديق، بل هي أمانة أمرنا الله أن نحكم عقلنا فيها ونتشاور فيما بيننا بقوله: "وأمرهم شورى بينهم"..
ومما يتعجب منه المرء، أن بعض المترشحين اتجه إلى قبول مالا من المرشح حتى يقوم بترشيحه!! ليغيب في هذا المشهد شي آخر وهو كرامة الإنسان وقوة سليقته. فإذا قوت السليقة ضعف حكم الإنسان، فيحكم بطبعه لا بعلمه وفهمه.
وحتى لا نعيش عالما واحد في هذا النص، لا بد أن أذكر المشهد الآخر من القصة ليكون ساعيها هو المرشح أو المنتخب نفسه، لنعيش في دوامة الخوف وذلك لأن: إن سعى هذا المرشح لمنصب من أجل مصالحه الشخصية سقطت ثقة المواطن بقوة المجلس وهذا ما حدث في السنوات الأخيرة، أما إن سعى للمنصب من أجل وضع قبلي لسعي شخص آخر في القبيلة المنافسة لقبيلته رجعنا إلى زمن القبلية من جديد بثوبها المملوء بثمار الحنظل.
وهنا يأتي دورنا نحن من جديد لنكتشف كل شخصية، ونزرع الثقة من جديد من أجل الحق والوطن لا من أجل المال أو من أجل تعصب قبلي أو مصلحة شخصية. هكذا سنسمو ويكون وسيط رسالتنا مجلسا تم انتقاءه حبا للوطن والحق..
وأخيرا،
أخي من أمي وأبي، عاش معي فآنسني وأزاح عني غربتي، أحبه رغم سكره.. أحبه رغم ضلاله، ولكن لا أعلم كيف أقوده. أراد يدي فأعطيته غافلا عن حكمي.. علمت أن يدي هي سلاح فوزه، فخفت أن يطغى ولكن أنِستُ أن أتغافل عن طغيانه فأعطيته يدي.. وبعد سنون، دمعت عيناي وصُرِخَ على أذناي، لأعلم أني يدي كانت ليست له، بل لذلك الأخ المسلم الذي مد يده لي فرفضته، لأني أردت الدم لا الحق.. لأصرخ بعدها بقول ربي:
"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".. وأتذكر قوله: "وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"..
وأنادي بعدها بأعلى صوت بعد فوات الأوان: هل من مجيب؟؟!!
أخوكم: جلال الحضرمي
نشر بتاريخ 17 سبتمبر 2011http://avb.s-oman.net/showthread.php?t=1316418
.jpg)