Tuesday, June 19, 2012

"على طاولة الطعام - قصة راجو الهندي" بفلم جلال الحضرمي

ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي ودّعت فيه أمي آملاَ أن ألقاها يوما ما مرة أخرى. قبلت جبينها ودمعت عيناي فلم يكن بيدي سوى أن أسجد تحت قدميها طالبا منها الدعاء. لقد أثقلتنا الحياة بمتطلباتها، فعملت أمي خادمة لسنوات لتأتي لنا بلقمة العيش. ولكن.. آه يا لها من حياة!! لم تعد هي قادرة على رفع قدميها. وها قد حان وقتي لأعمل وأرى ماذا كتب القدر لي..
اسمي راجو، وينادونني محمد في المكان الذي أعمل فيه. عمري لم يتجاوز الثانية والعشرين. أعمل كنادل في مطعم في إحدى مناطق منطقة الخوض بمسقط. اليكم قصثي بعد وصولي إلى هنا:
كنت متحمسا جدا لدرجة أنستني للحظات ذكريات توديع أمي وبلدي. لا أعرف التحدث باللغة العربية ولغتي الإنجليزية المتكسرة كَتَبَت لي مخرجاً عند وصولي إلى هنا. أمهلني رئيسي (الفورمان) أسبوعا في المطعم أشاهد وأتعلم بعض الكلمات المهمة. لم أكن سوى كصنم يقف دون حركة ويراقب، وألةٍ تحفظ ولا تعلم ماذا تحفظ!!.
 اليوم الأول، لم يكن بذلك السوء. يوم عادي مضى كومضة برق.
الحياة داخل ردهات المطعم سريعة جدا، فهذا يطبخ، وذاك ينظف وآخر ينادي، وآخر يركض من طاولة لأخرى كخلية نحلة كاملة.
مر أسبوع على حياتي، وبدأت أعرف بعض الكلمات، وحان وقت عملي الرسمي. كنت أسمع كلمات كثيرة من زملائي تتردد لم أفهم ماذا يقصدون. "تجاهلم!!".."لا تنظر إلى عينيهم بل ادّعِ انك تكتب شيئا!!".. "دع أُذُنك صماء!!".."كم نكرههم!!"..
ومنهم من يصل إلى فراشه في الليل وهو يبكي تعبا، ويتعصر ألما، ولا ينطق سوى بكلمة "الله كريم!!"..
لم أفهم من تمتماتهم سوى أن الويل والعذاب لي قادم لا محالة، وصورة العمل الجميل ستختفي يوماً بعد يوم. لم أعرف من أسمع: رئيسي الذي يطالبني بالابتسام في كل لحظة؟! أم  أصدقائي الذن تناسوا معنى الابتسامة فلم يكن لهم سوى تصنُّعٍ لها رغم أنفهم..
الساعة الثانية عشر ظهرا.. يدخل أول زبون لي.. أسرع إليه فرحا لتقديم طلبه..
"السلام عليكم!!"
"واحد مندي دجاج ربع.. ياالله جلدي شوي"..
لم أنطق ولم أتمتم.. ذهبت بسرعة وأحضرت له طلبه..
"أنا ما يريد فخذ.. جيب صدر"..
لم أنطق ولم أتمتم.. أرجعت ما أحضرته، وأحضرت ما يريد..
"وين بصل!!.. أنا خَبّر بصل!!.. انته ما فيه يسمع..يالله ما فيه تأخير"..
ذهبت وأحضرت له البصل وأنا في صمت لم أعرف أي كلمة أستخدم.. هل سمعته خطأَ، أم ماذا؟؟.. هل ردَّ عليّ السلام، أم أنني لست مسلماً؟؟!!..
مرت الساعة الأولى من عملي، وجاءت ساعة الحقيقة.. الساعة الواحدة ظهرا..الوقت الذي اعتاد فيه الزبائن بالتوافد جمعا وفرادى دون توقف..
كنت أقدم الطلبات من طاولة لأخرى دون توقف، ولا أسمع أثناء ذلك سوى كلمات تطير في الهواء: "صديج..ولد الهندية..محمد..بوس.. كلب نته.. ايه تعال".. وأخرى: "واحد ماي.. بصل زيادة.. ناهيه فلفل.. ايك برياني...".. كلمات بت أعتقد أنها اسمي وأخرى ظننت انها عربية..
مر يومي الأول، ولم أجد سوى الفراش لينقذني فطلبت راحتي فيه.. كان يوما شاقا بالفعل، عملت فيه لأكثر من 14 ساعة..
يوما يعد يوم، بدأت أتعلم اللغة العربية المتكسرة التي أُجبِرتُ على نطقها، فمعظم من يتحدثون معنا يُكَّسِرون اللغة لسبب أو لآخر لا عِلم لي بهما.. وهنا بعضها: "صديج.. واحد نفر.. انته ما فيه معلوم..وين فورمان؟؟..واحد بونيه.. انتى ما في يعطي زيادة.." وغيرها من الكلمات التي اعتدنا أن نسمعها..
تعلمت أنني يجب أن أكون صارما في مواقف، وتعلمت منهم أنه لا حاجة لهم لسلامي، فطلبهم أهم من ذلك..
أذكر يوما جاءت فيه مجموعة من الشباب وقت العشاء، اعتدت أن أرى مثلهم بين حينة وأخرى.. كان المطعم مكتضاً بالزبائن، ولكن صريخ هؤلاء طغى على كل شي..
"ايه ولد الهندية.. تعال!!.. حص واحد.."
تجاهلت ما سمعت، ولم أذهب اليهم.. فهذا ما علمتني اياه الحياة هنا..
"ايه انته ما فيه يسمع!!.. كلب نته!!.. تعال ولد(...)!!".. وأردف زميله: "دوكم.. حتى الطاولة ما نظيفة..مو رايك نطلب وبعدين نطلع!!"..
سمعت ما قالوه، ولكن تجاهلت ذلك ، وأخذت طلبهم بعد ان استغرقوا ربع ساعة مضت هكذا:
" انته ايش يسوي؟؟"..
"صديج.. هذا موجود في كاتلوج أمامك.. انته شوف!!"..
" ما نربد نشوف.. نته خبر أيش يسوي"..بصوت استفزازي!!
طبعا لم يكن بيدي حيلة سوى اخبارهم، رغم أن أغلب المطاعم لها نفس قائمة الطعام".. "تكة دجاج، تكة لحم، صحن مسالا، صحن ناشف...".. فجاءة يقاطعني ويقول: "جيبلي صاروخ شاورما وواحد بيبسي".. ويقول الآخر:"ياخي ما أريد شي.. جيب واحد عصير موز"، والأخير: "جيب 2 شاروما دجاج".. وهكذا مرت ربع ساعة لأذهب بعدها لأحضر الطعام لهم..
رجعت بعد دقائق بسيطة، واذ اتفاجأ بوجود أناس آخرين يجلسون في تلك الطاولة..
لم أعرف ماذا أقول لرئيسي، فما كان لي سوى أن أسمع صراخه المتتالي في كل مرة يحدث هذا، وانقاصه من راتبي الذي لم يتجاوز ثمانون ريالا في الشهر، كنت أرسلها لأمي.
آه يا أمي..هل أنتي بخير؟؟ لا أعلم ماذا يحدث لك، فليس لي سوى صورة وحيدة لك، وذلك الصوت الحنون الذي يرافق سماعة هاتفي في كل مرة اتصل بك!!.. كم اشتاق لرؤيتك!!..علمتيني الصبر، ولكن آواه، هل أصبر كل هذه المدة؟؟!!

ها أنا اليوم أبلغ الثانية والثلاثين بعد عشر سنوات قضيتها هنا.. توفت والدتي قبل سنتين بعد معاناتها من مرض مزمن لازمها منذ ان كانت تعمل خادمة..نعم!!، لم أرى وجهها المشرق، فلم أفي بوعدي لها بالرجوع.. كم أنتي قاسية يا حياة!!
تغيرت حياتي كثيرا، فأصبحت أتقن العربية جيدا، بل وأصبح لنا نحن الهنود مجتمع لنجتمع فيه ونناقش أمور ديننا..
لم أعد أذكر آخر شخص قال لي راجو.. فقدت هذا الاسم وحظيت بأسماء كثيرة لا أفقدتني هويتي..
اِمتصّت الأيام قواي، واسترشدت معالم وجهي بتصنعٍ يومي لَزِمَني منذ أن تناسيت ما علمني اياه ديني. بت أشفق على بني جنسي من غير المسلمين، يا ترى، كيف تتم معاملتهم؟؟!!

حان الوقت، للبحث عن شريكة حياتي التي لم أجد وقتا لأبحث عنها أو حتى أن أفكر بها، ولكن رَسَمَت الأيام لي طريقا حسنا، فأنا اليوم أملك مطعما وتحسنت حالتي..

لم ولن أنسى ذكريات عشتها في عشر سنوات، ولكن كل ما يمكنني قوله هي كلمات تتردد من كل زملائي بتلك اللغة الهندية العربية المتكسرة وبحاء أنطقها هاءاً.."الحمد لله!!"..

No comments:

Post a Comment