Tuesday, October 30, 2012

مقال: المرأة بين فكي الدين والمساواة

بسم الله الرحمن الرحيم
لم يدفعني إلى كتابة هذا المقال سوى غيرتي على ما يحدث بعد ما قرأت في التويتر من تغريدات أصبح كل واحد منا يكتب دون وعي ثقافي أو تاريخي أو حتى ديني. لأ أدّعي معرفتي بشيء وإنما هي خواطر أردت مشاركتكم بها داعيا الله أن يهدينا جميعا إلى الحق والطريق المستقيم.
إن القارئ المتدبر للقرآن يجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل للرجل والمرأة أدوارا مهمة في المجتمع، ذكر بعضها نصا وجعل الآخر للمجتمع ليأول حسب ما تقتضيه المصلحة العامة في المجتمع. لذلك نجد أن من العلماء الثقة من تشدد فيما يخص المرأة خوفا وزهداً، وهناك من رخّص بعض الأحكام لضرورات الحياة الجديدة، وكلا الفئتين لها من الأسباب ما لها. ولكن العجيب أن هناك فئة جديدة اتخذت من باب الثقافة والمثقفين مفتاحا لنقد ما يقال باسم الحرية الشخصية أو بأي اسم آخر.

وحتى لا أطيل، دعوني أذهب للأسئلة التي تبادرت في ذهني وأجابت عليها خواطري:

- هل الرجل والمرأة متساويان؟
يقول الله تعالى: {..وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ..}[النساء:32]..
إن نظرية مساواة الرجل بالمرأة ما هي إلا غربية نشأت في القرن التاسع عشر وأكدّ عليها بعض الكتاب كتوماس هاردي في رواياته، وذلك بسبب الظلم الذي اجتاح المرأة في العصور المظلمة، ويبدو أنها انغرست في مبادئهم رغم أن الملكة كانت امرأة. وبعد الثورة الصناعية واجتياح الدول الغربية لدول المسلمين، ساقوا هذه الفكرة إلى عقول الناس الضعفاء، فكان ما كان من أمر حتى صارت الفكرة حقيقة وبدأت عصور الجاهلية ترجع بعد أن أسس الإسلام وغرس كل المبادئ المتعلقة بمكانة المرأة.

- ماذا حدث بعد ذلك؟
تقول السيدة سالمة بنت سعيد في كتابها مذكرات أميرة عربية، ردا على الغرب حين استهجنوا عدم عمل المرأة في المجتمع الشرقي، فتقول أن المرأة هنا مخيّرة، وإنما لا تعمل لأن ظروف الحياة البسيطة جعلت من الوضع لا يحتاج بأن تعمل، بعكس ما يحدث في الغرب حيث أن برودة الطقس وظروف الحياة أجبرت المرأة على العمل لتساعد زوجها.

وهذا دليل آخر على أن الفكر المتعلق بظلم المرآة إنما كان دخيلا جاء بعد الاستعمار الغربي، بل أن المرأة قبل الاستعمار الغربي كان لها دور فاعل في المجتمع.

- سأعيد عليك السؤال مرة أخرى.. هل الرجل والمرأة متساويان؟
ارجع إلى قوله تعالى مرة أخرى:
"{..وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ..}[النساء:32]
نجد أن الله أعطى الرجل صفات والمرأة صفات أخرى، وأن محاولة المساواة بينهما ما هي إلا فكرة زائفة زُرِعت في عقولنا وانسجمنا فيها لضعف القوة الإيمانية فينا. وإنما هما نصفان يكمِّل بعضهما البعض لا يستاوون مساواة العمل والصفات ولكن هم متساوون أمام الله، فقد قال تعالى: ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [غافر :40]


- ما رأيك في مطالبة المرأة بالحرية؟
لها الحق في ذلك إن وجدت نفسها أنها ظُلِمَت، ولكن ينبغي أن تدرك المكانة التي أسسها الله تعالى لها، فلا تنساق إلى الفكر بمبدأ الحرية الشخصية. بل تنساق إليه بفكر مكانتها الاسلامية. وهنا استغرب من بعض النساء المتبرجات عندما يأتين ويواجهن الناس بأن لهنّ الحرية وأن الدين لله لا يحق لرجال الدين التدخل في ذلك. وفي هذا نقطتين:
الأولى: هناك من رجال الدين من جعل الدين سبيلا لأهدافه، أو تَطَرّفَ فاتّبع بعض الكتاب وتجاهل بعض، وهؤلاء عليهم الحذر من قوله تعالى: "
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (البقرة:85)

أما الثانية: أختي قبل أن تتحدثي تذكري قول الله تعالى: (( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا  لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن لتعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )) سورة النور ايه 31

افهمي وتدبري هذه الآية ثم ارجعي وأعيدي النظر فيها. الحرية ليست اتّباع ما تهواه نفسك بعمى البصيرة، فكوني بصيرة، مثقفة بأمور دينك وليس بأمور منطق زرعته عاطفة اتبعت هواها فكانت كما وصف الله تعالى: "إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر".

- ما رأيك في مطالبة المرأة بحقوقها؟
أعطى الإسلام المرأة حقوقها، ما أن خرج المجتمع عن تعاليم الدين ظلم بذلك حقوق العباد ومنها المرأة. انساقت أغلب مجتمعاتنا إلى التمسك بالعادة وإن كانت خاطئة، وتجاهلت تعاليم ومبادئ الإسلام. ما يظهر الآن من لجوء المرأة للمطالبة بحقوقها ما هو إلا في أمرين:
الأول: مطالبة لحقوق اختفت بسبب بعض عادات المجتمع الغريبة، ومثال على ذلك: استنكار الرجل لاسم زوجته أو أمه أمام الآخرين والاكتفاء بقول أم العيال بدلا من زوجتي. وهنا أعيب كثيرا على هذه العادات الغريبة!

الثانية: حقوق دخيلة غريبة، جاءت بعد الاستعمار الغربي كمطالبة المرأة بالعمل بأي منصب مهما كان، بحجة استطاعتها عمل ما يعمله الرجل. وهنا استفرد تأويل الشيخ الشعرواي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى }طه117حيث يقول الشيخ أن الله تعالى لم يقل "فتشقيا" لآدم وزوجته حواء، بل قال "فتشقى" ليدلل على أن الرجل هو من يقوم بالأعمال الشاقة لا المرأة.
يقول سيد قطب -‏ رحمه الله -  في كتابه الظلال: " إن الأسرة هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية ، وإذا كانت ‏المؤسسات الأخرى الأقل شأناً ، والأرخص سعراً كالمؤسسات المالية والتجارية والصناعية لا يوكل ‏أمرها - عادةً - إلا لأكفأ المرشحين لها ، فأولى أن تُتبع هذه القاعدة في مؤسسة الأسرة التي تُنشيء ‏أثمن عناصر الكون ‏العنصر الإنساني.. والمنهج الرباني يراعي هذا ويراعي به الفطرة ، ‏والإستعدادات الموهوبة لشطري النفس لأداء الوظائف المنوطة بكل منهما وفق هذه الإستعدادات ، ‏كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري النفس الواحدة ".‏

ولكن يبدو أن التيار الغربي أثار عاطفة عقول بعضنا فانساق إلى ما جاءوا به.

- إذا، ماذا تستنج من ذلك؟
أسس الله للمرأة مكانتها الاجتماعية، وما يجب عليها ارتدائه حتى يحفظ المجتمع ويصونه من الرذائل والفساد، ولكن لم يحدد دورها خارج المنزل بشكل مباشر حتى يدع لها الحكم في ذلك بما تقتضيه مصلحة عائلتها، فإن استطاعت أن توافق بين دورها الأساسي والدور الثانوي بمساعدة الرجل وفقها الله لما تبتغي، وان لم تستطع، اهتمت بدورها الأول وبحثت عن ما تستطيع عمله لتطوير البيئة المحيطة بها للوصول إلى الدور الثانوي دون المساس بالأسس التي أسسها الإسلام لها. فإن تخلت عن بعض الأسس بحجة يسر الدين، وقعت في فخ قوله تعالى: "فقتل كيف قدر" لأنها قدرت الأمور دون بصيرة.

تحياتي.. أخوكم: جلال الحضرمي

1 comment:

  1. مقال جميل أخ جلال..
    فعلا.. الدين بيّن الأطر لمهمة المرأة والرجل، وجعل لهما الاختيار فيما يصلح حال أسرتهما، وفعلا الرجل أولى بالعمل خارج البيت لما أعطاه الله من قدرة تحمّل وسعة طاقة..
    ولكن ما سبب انهيار مؤسسة الأسرة في عالمنا العربي هو تدخّل العادات والتقاليد في تحكيم دور المرأة والرجل، فبدلا من تحكيم الدين والإسلام، يلجأ البعض إلى تحكيم ما كان من فعل آبائهم وأجداهم ألأولين، دونما تمحيص في ما إذا كان هذا مقتبسا من الدين أم لا..

    ReplyDelete